إعتراف 4:
تخلع أوروبا يوم السبت جميع أقنعة العمل, فليلة الأحد هي الليلة المنشودة للجميع بعيداً عن ضجيج العمل و أوامر المدراء و طلباتهم, البعض يخرج للبحيرات, البعض يسافر خارج المدينة, والبقية يحتفلون بعطلة نهاية الأسبوع في زحام الموسيقى الصاخبة بأي ملهى ليلي مثلما قرر (أندريه).
إن دخولي ليلة السبت لـ (ستار ترك) ذلك الملهى الليلي المتمركز في شارع لطالما كان يحمل لي ذكريات عذبة و مؤلمة مسألة ليست بالسهلة أبداً خاصة عندما تتكدس أجساد الراقصين في بهو الملهى وعلى الدرج و أمام البار, لكن (لينا) القصيرة القامة ذات النهدين الرائعين و الإبتسامة المضيئة لن تنسى أبداً ما مارسناه في الأسبوع الماضي عند البحيرة إنتهاءً بعقد الذهب البسيط الذي أهديته إياها لتخرج إلى باب الملهى و تدخلني بإعتبارها نادلة في ذلك الملهى أولا, وبإعتبارها ثانيا (لينا) ذات النهدين الرائعين و الإبتسامة المضيئه, وبإعتباري أنا رجلها المنشود, او على الأقل هذا ما كانت تتمناه, أنا ..ذلك الرجل القادم من الجنوب, بنصف هويه محترقة.
لطالما أتعبني أن أمثل دور المعجب و الشاب اللطيف, وانا لست معجباً ولست لطيفاً أبدا, القتل بالنسبة لي أسهل من جلوسي عند البار لأشرب القهوة و اتطرق لبعض الأحاديث الكاذبة مع عامل البار و أمرر بين الحين و الأخرى إبتسامة أو نظرة دافئة لـ (لينا) تلك التي تتنقل بين طاولات الزبائن لتلبي طلباتهم فهي تحبني, وأنا أيضا معجب بها,, أو على الأقل هذا ما كان المفروض أن يكون.
لم تتجاوز الساعة الحادية عشر ليلا, لكن لم يعد الموجودين قادرين على التمييز مابين طعم الكونياك و طعم النار الخارج من ولاعتي لأحرق سيجارة أخرى في محاولتي البقاء متزناً خلف فنجان قهوتي و أحاديثي مع عامل البار خاصة و أن الموسيقى الصارخة في زوايا المكان, و الصادرة من إسطوانات ذلك الرجل في الغرفة الزجاجية و السماعات الأذنية كانت تدفعني إلى حد ما للإختناق, لا أحد من الموجودين و الراقصين على تلك الأصوات كان ليعلم من هي فيروز, تلك المرأة التي كانت تغني و تنشد خلفها جوقة من الملائكة الهاربين من الجنة.
لم تستغرب أبدا (لينا) عدم وجودي عند البار لدقائق ثلاث لا أكثر, من الطبيعي أن الجميع يرتادون حمامات الملهى في الليل من كثرة ما يشربون, من المؤكد أنها لم تتوقع أن وجودي تلك الليلة كان مدفوعا بوجود (أندريه) الرجل الجديد في المدينة الذي قرر تحدي أكبر التجار من خلال تجارة المكياجات و العطور, (أندريه) ذو الغباء المستفحل و الغرور الغبي و الأذان النصف متصلبه و الشعر و المتساقط من منتصف الرأس بشكله الغريب الذي لا يشبه أحدا لم يستوعب أن البلد مبنية على اشخاص معينين يجب دائماً التفاوض معهم و العمل من خلال مباركتهم المأجورة.
حاولت أن أكتم أنفاسي حين دخلت قاعة الحمامات في الدور الأول من الملهى, فالحمامات الستة على اليمين مفتوحة الأبواب بإستثناء غرفتين و تفوح من الكل رأئحة قذرة تغتالني بشكل أسوء من أي عملية إغتيال قد رأيتها, حتى المغاسل الموجودة على الجهة اليسرى بالمرايا النصف محطمة و النصف مرئية لم تكن أنظف من الحمامات, لكن لا بأس فجميع الأشخاص المترددين على هذه الحمامات هم نصف مطفئين, أنا الوحيد القادم و رائحة القهوة تفوح مني, فهذا هو مشروبي الوحيد الذي يبقيني ثابتاً مستيقظاً و مصمما على البقاء عند أحد المغاسل منتظراً خروج أندريه من خلف أحد أبواب الحمامين المغلقين فانا لم أكن قادر بسبب الروائح من تتبع وجوده إلى أن خرج الرجل الأخر من أحد الحمامات لأتأكد أن أندريه في الحمام اللآخر.
الرائحة كانت طريقة جيدة لأتقيئ عند أحد الزوايا أمام الرجل الآخر ليعلم أني سكران آخر مثل البقية, فلم يقف ليغسل يديه أصلا و لم يحاول أن يرى وجهي ولم يشعر بوجودي أصلا, 10 ثواني هي المدة الفاصلة مابين خروج الرجل الأول من قاعة الحمامات بشكل نهائي إلى لحظة فتحي لباب الحمام الآخر مخرجاً (9 مم بكاتم صوت) لتستقر الرصاصة الأولى في رقبة (أندريه) و الثانية في راسه, فلم يفاجئني أصلا عدم خروج أي صوت من هذا الرجل لحظة دخولي, يقال ان الرجال يقولون الحقيقة في لحظات النصف سكر, أما في لحظات السكر الكامل, فهم لايقولون أي شئ ,خروجي الطبيعي من بهو قاعة الحمامات محاولاً شق طريق العودة صعوداً على الدرج الطويل إلى قاعة الملهى بين حشود المتوقفين على الدرج متأهبين للدخول في عتمة الاضواء المتباينة كان سهلا جداً و بسيطاً,لم أتردد أبدا في الوقوف عند باب بهو الملهى للتفتيش فقد عدت فارغ اليدين تماما, ولذلك لم أعد أحتاج إلى (لينا) لتدخلني مرة أخرى بدون تفتيش عند الباب.
لم تستطع (لينا) لحظة إقترابها مني محاولةً إكتشاف ما إذا كنت مع إمرأة أخرى خلال الدقائق الماضية من أن تسترق السمع لنبضات قلبي المتتالية بشكل سريع و التي بدات تهدأ أو لم تعد ملحوظة بسبب ضجيج الموسيقى, (لينا) تلك التي ظنت أني الرجل المنشود دائماً من خلال إهتمامي بإفراح طفلها الذي لم يتجاوز الـ 9 سنوات بالهدايا و الألعاب, لم تعلم أبداً أنني لا أرتبط بأي أحد, فكل ما أملك هو (بيرمان) ذلك الكلب الأسود القابع الآن في منزلي عند البحيرة منتظرأ أن آتي آخر الليل, هو الوحيد الذي كان يرافقني في لحظات وحدتي, هو الجهة الوحيدة التي كنت أطمئن لها دائماً.
لم يكن التمثيل فقط في إهتمامي بـ (لينا) بل أيضا بمفاجئتي بدخول رجال الأمن لمكتب مدير الملهى في الدور الثاني, إللا أن أحداً لم يعلم سبب دخولهم, وأنا أيضا كان عليي ان أكون مستغرباً محاولاً إستخراج أي معلومة من عامل البار الذي لم يعلم شيئاً حتى تلك اللحظة, لأقرر ببساطة الخروج بعدها قبل إنتهاء الحفلة طالباً من (لينا) أن ترافقني بما أنني لن أطيق إنتظارها في منزلها وحدي بعد إعطائها المفاتيح لي, فالخروج معها من الملهى سيكون أفضل و أيسر (لينا) لم تمانع أبداً أن ترافقني قبل إنتهاء عملها إلى منزلها, فأنا الرجل المنشود لتلك المرأة ذات النهدين الرائعين و الإبتسامة المضيئة.
-
جميل و مرهق تكرار قراءة
ردحذفالكثير من الخيبات لتصبح تراتيل :)
أغنيات داكنة العواطف
إبتسامات تقاتل الماضي مكابرة
و جميل أيضاً أن نغمض أعينا على المطر في حيز ما من الذاكرة ..